الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
315
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
اشتهت أنفسنا ولذت أعيننا من النعم في جوار الكريم قال : يعود عليهم بالقول ، فيقولون : ربنا نعم يا ربنا رضاك عنا ومحبتك لنا خير لنا وأطيب لأنفسنا ، ثم قرأ علي بن الحسين عليه السّلام هذه الآية : وعد اللَّه المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من اللَّه أكبر ذلك هو الفوز العظيم 9 : 72 . أقول : قوله عليه السّلام : " نعم يا ربنا رضاك عنا . . إلخ ، " يدل على أن الرضا والرضوان أكبر وأحسن من تلك النعم ، وهي لا تحصل إلا بهم عليهم السّلام وبولايتهم وبمتابعتهم . أقول : لعل الوجه في كونه أكبر هو أن النعم الإلهية في الجنة المذكورة في الأحاديث ، وإن كانت نعما إلهية إلا أنها محدودة بصور الجنة ، وأنها وإن كانت عظيمة وسيعة جدّا ولذتها كثيرة جدا إلا أنها - بالنسبة إلى مشاهدة منشإ هذه اللذات وهو وجهه الكريم والتمتع به ، والنظر إليه بالمعنى المذكور في محله المناسب لعلوّ جماله وجلاله - تعدّ حقيرة . كيف لا ، وإن تلك النعم فيها محدودة ، ووجهه الكريم الذي هو منشأ لها غير محدود ، فالوصل إليه والتمتع به والنظر إليه يكون أكبر ، وإنما عبّر عن هذا النظر إلى وجهه الكريم بالرضوان ، لأنه لا يحصل هذا إلا به ، أي بالرضوان فإن مقام الرضا الحقيقي يرفع جميع الحجب بين الراضي والمرضي ، والرضا في الحقيقة أمر أصله في المرضي وظهوره في الراضي فيوجب نفي غير المرضي عن الراضي ، وحينئذ في الحقيقة الراضي هو المرضي ، لأنه حينئذ قد أسقط جميع الإضافات التي هي وجوده ، الذي هو الحجاب بينه وبين خالقه ، كما تقدم أن الخلق هو الحجاب ، وحينئذ فلم يبق فيه إلا الرضا الذي هو ظهور المرضي بجماله وجلاله ، فيه فتدبر تعرف . ولعلّ هذا هو المراد من قول الرضا عليه السّلام : " من سرّه أن ينظر إلى اللَّه بغير حجاب وينظر اللَّه إليه بغير حجاب . . إلخ " .